القاضي عبد الجبار الهمذاني
38
المغني في أبواب التوحيد والعدل
بأفعالهم وأقوالهم ، وعلى هذا الوجه أظهروا ما يكون نقضا للدين والإسلام ؛ لأن مرادهم إبطال الكتاب والسنة ، وأجازوا في الكتاب - أو كثير منهم - الزيادة والنقصان . وبعضهم أخرجه من أن يكون معجزا ، وأبطلوا طريقة التواتر الّذي لولاه ، لما ثبت الكتاب والسنة ، وقدحوا في الإجماع . وبيّن شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، أنهم تجاوزوا ذلك إلى إبطال التوحيد والعدل ، وأن هشام بن الحكم قال بالتجسيم ، وبحدوث العلم ، وبجواز البداء ، إلى غير ذلك مما لا يصح معه التوحيد ، وقال بالجبر ، وما يتصل بتكليف ما لا يطاق ، ولا يصح معه التمسك بالعدل . وأما حال ابن الراوندي في نصرة الإلحاد ، وأنه كان يقصد بسائر ما يؤلفه إلى التشكيك ، فظاهر . وربما كان يؤلف لضرب من الشهوة والمنفعة . وأما أبو عيسى فتمسكه بمذاهب الثنوية ظاهر ، وأنه كان عند الخلوة ربما قال : بليت بنصرة أبغض الناس إلى وأعظمهم إقداما على القتل ، لكن التستر بذلك والتحرز به من القتل لا بد من أن يكون ، إلى غير ذلك مما يحكى عنه في هذا الباب . وإنما يخرج عن هذه الطريقة من يكون مقلدا ممن يسلك في الإمامة المسلك الّذي ذكرناه . فأما من لا يتحقق بما قدمناه من الطرائق في الإمامة فيسلك طريقة متوسطة بين العقل والشرع . فمن كان يتمسك بالتوحيد والعدل فهو بريء مما نسبناه إلى من تقدم ذكره ، كأبي الأحوص والنوبختية وغيرهم فإنهم لا يسلكون ما قدمناه ، وإنما يتبعون في الأكثر طريقة السمع ، وإن كانوا ربما التجئوا إلى طريقة العقل . وأما الزيدية فأكثرهم في الإمامة يسلكون طريقتنا ، وإنما يقع الكلام فيما بيننا وبينهم في طريقة السمع ، فربما أثبتوا في السمع نصا على عين الإمام ، وربما أثبتوه على صفته . ونحن لا تثبت النص إلا على صفته دون العين .